محمد متولي الشعراوي

1216

تفسير الشعراوي

ويأتي التوثيق الزائد : بقوله - تعالى - : « وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ، أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى » . ولننظر إلى الدقة في التوثيق عندما يقول الحق : « وَاسْتَشْهِدُوا » نستشهد ونكتب ، لأنه سبحانه يريد بهذا التوثيق أن يؤمّن الحياة الاقتصادية عند غير الواجد ؛ لأن الحاجة عندما تكون مؤمّنة عند غير الواجد فالدولاب يمشى وتسير حركة الحياة الاقتصادية ؛ لأن الواجد هو القليل ، وغير الواجد هو الكثير ، فكل فكر جاد ومفيد يحتاج إلى مائة إنسان ينفذون التخطيط . إن الجيب الواحد الذي يصرف يحتاج إلى مائة لينفذوا ، ولهذا تكون الجمهرة من الذين لا يجدون ، وذلك حتى يسير نظام الحياة ؛ لأن اللّه لا يريد أن يكون نظام الحياة تفضلا من الخلق على الخلق ، إنما يريد اللّه نظام الحياة نظاما ضروريا ؛ فالعامل الذي لا يعول أسرة قد لا يخرج إلى العمل ، لذلك فالحق يربط خروج العامل بحاجته . إنه يحتاج إلى الطعام ورعاية نفسه وأسرته فيخرج اضطرارا إلى العمل ، وبتكرار الأمر يعشق عمله ، وحين يعشق العمل فهو يحب العمل في ذاته . وبذلك ينتقل من الحاجة إلى العمل ، إلى حب العمل في ذاته ، وإذا ما أحب العمل في ذاته ، فعجلة الحياة تسير . والحق سبحانه حين يحدد الشهود بهذا القول : « وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ » . ولماذا قال الحق : « شهيدين » ولم يقل « شاهدان » ؟ لأن مطلق شاهد قد يكون زورا ، لذلك جاء الحق بصيغة المبالغة . كأنه شاهد عرفه الناس بعدالة الشهادة حتى صار شهيدا . إنه إنسان تكررت منه الشهادة العادلة ؛ واستأمنه الناس على ذلك ، وهذا دليل على أنه شهيد . وإن لم يكن هناك شهيدان من الرجال فالحق يحدد لنا « فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ » . إن الحق سبحانه وتعالى قد طلب منا على قدر طاقتنا أي من نرضى نحن عنهم ، وعلل الحق مجىء المرأتين في مقابل رجل بما يلي : « أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى » ؛ لأن الشهادة هي احتكاك بمجتمع لتشهد فيه وتعرف ما يحدث . والمرأة